أحمد بن محمد المقري التلمساني
349
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
المازري ، لعلم أنه بمناظرته حري ، أو الحافظ ابن رشد ، لقال : هلمّ يا حافظ الرشد ، أو اللخمي لأبصر منه محاسن « التبصرة » ، أو القرطبي لنال منه « التذكرة » ، أو القرافي لاستفاد منه قواعده المقررة ، أو ابن الحاجب لاستند إلى بابه في كشف الإشكالات المحرّرة ، إلى ما انضمّ إلى ذلك من معرفة التفسير ودرره ، والاضطلاع بحقائق التأويل وغرره ، فلو رآه مجاهد ، لعلم أنه في التحقيق خير جاهد ، أو مقاتل ، لقال : مثلك طبّق من الفهوم الكلي وأصاب المقاتل ، أو الزمخشري لعلم أنه كشاف الخفيات على الحقيقة ، وقال لكتابه : تنحّ لهذا الحبر عن سلوك الطريقة ، أو ابن عطية ، لركب في الرحلة إلى الاستفادة منه المطيّة ، أو أبو حيان لغرق في نهره ، ولم تسل له نقطة من بحره ، إلى الإحاطة بالحديث وفنونه ، والاطّلاع على أسانيده ومتونه ، ومعرفة منكره ومعروفه ، ونظم أنواعه ورصف صنوفه ، إذ إليه الرحلة انتهت في رواياته ودراياته ، وعليه المعوّل في حلّ مشكلاته وفتح مقفلاته . وأمّا الأصول فالعضد ينقطع عند مناظرته ساعده ، والسيف يكلّ عند بحثه حدّه حتى يترك ما عنده ويساعده ، والبرهان لا يهتدى معه لحجّة ، والمقترح لا يركب في بحره لجّة . وأمّا النحو فلو رآه محمود « 1 » لتلجلج في قراءة « المفصل » ، واستقل ما عنده من القدر المحصّل ، أو الرماني لاشتاق إلى مفاكهته وارتاح ، واستجدى من ثمار فوائده وامتاح « 2 » ، أو الزجاج لعلم أنّ زجاجه لا يقوم بجواهره ، وأنه لا يجري معه في هذا العلم إلّا في ظواهره ، بل لو رآه الخليل ، لقال : هذا هو المقصد الجليل ، وأثنى عليه بكلّ جميل ، وقال لفرسان النحو : ما لكم إلى لحوق عربيته من سبيل ، وأمّا البيان فالمصباح لا يظهر له نور عند هذا الصبح ، وصاحب المفتاح لا يهتدى معه إلى الفتح ، والقزويني يلقي علومه لإيضاح المعاني ، والسعد يرقى بفهومه في مطالع المثاني ، وكم له من مناقب ، تنحطّ عن منالها الثواقب ، ومواهب ، تجلو بأنوارها الغياهب « 3 » ، وأمّا زهده وصلاحه فقد سارت به الركبان ، واتّفق عليه الثقلان ، فمن وصفه بالبحر ، فقل له : دون علمه البحر ، أو البدر ، فما يصل خلقه البدر ، أو الدرّ ، فأنى يشبه منطقه الدرّ ، وبالجملة فالوصف يتقاصر عن صفاته وفضلاء عصره لا يرتقون إلى صفاته ، فهو شيخ العلماء في أوانه ، وإمام الأئمة في عصره وزمانه ، شهد بنشر علومه العاكف والبادي ، وارتوى من بحار تحقيقاته الظمآن والصادي : [ الكامل ] حلف الزمان ليأتينّ بمثله * حنثت يمينك يا زمان فكفّر « 4 »
--> ( 1 ) محمود : هو الزمخشري صاحب المفصل في النحو . ( 2 ) امتاح : غرف . ( 3 ) الغياهب : جمع غيهب ، وهو الظلام . ( 4 ) حنثت يمينك : أي لم تستطع الوفاء بها . وكفّر : ادفع كفارة اليمين .